في سياسات الخداع والإيهام والإلهاء!
يعتمد الغرب منذ الحرب العالمية الثانية أسلوب الحرب النفسية المبنية على حملات دعائية مكثفة لتشويش عقول الشعوب والسيطرة عليها وتوجيهها، وأسندت المهمة الى أجهزة الاستخبارات وسخرت لها موارد ضخمة، وتحولت تدريجيا إلى بديل عن التدخل العسكري المباشر، وللأسف نجحت هذه السياسة في إحداث اضطرابات في كثير من البلدان.
في الأساس استخدمت الحرب الدعائية ضد دول المحور، واعتمدت على ترويج الأكاذيب، وحاول الحلفاء إلصاق التهمة بالمحور وقُدم جوبلز وزير إعلام ألمانيا ضحية لذلك، بعد أن وضعت الحرب أوزارها تطورت الحرب النفسية وذهبت في ثلاثة اتجاهات، الأول وجه إلى ألمانيا واليابان، وهدف إلى إحباط الروح المعنوية للشعبين الألماني والياباني ومنع أي محاولات لبث روح المقاومة، وأسندت الحرب النفسية بوجود عسكري ضخم قائم إلى اليوم ومشروعات اقتصادية نموذجها مشروع مارشال الذي ربط اقتصاديات هذه الدول بالشركات الغربية الاحتكارية، وتم وضع دساتير في حالة استسلام مكن الغرب من بسط سيطرته على الدولتين من خلال عملاء سبق تجهيزهم أثناء الحرب واستمر إعداد قيادات على مقاسهم إلى الآن.
الوجهة الثانية كانت الاتحاد السوفييتي الذي توسع بعد الحرب وسيطر على جزء كبير من الدول الأوروبية، وتركز على تشويه الاشتراكية كمشروع نظام اقتصادي، وتقديم الاتحاد السوفييتي كعدو مخيف ينبغي إسقاطه، وتركز الخطاب على الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا مشابهة، ودعمت الحرب النفسية بحصار اقتصادي واسع وسباق تسلح محموم وضغوطات عسكرية مستمرة، ولقد نجح الاتحاد السوفييتي في مواجهة الحرب النفسية الغربية لعقود وشكل ثنائية قطبية، لكن الغرب نجح في تفتيته وإسقاطه بعد أن نجح في اختراق منظومة الحكم فيه وإيصال عملاء إلى مواقع القرار.
الوجهة الثالثة للحرب النفسية كانت دول العالم الثالث، وفي محورها الدول العربية، وتهدف إلى تثبيت حالة التقسيم التي نتجت من الحربين الأولى والثانية، وتثبيت النفوذ الفرنسي والإنجليزي على دولها وفق تقسيم سايكس بيكو. المتطور الذي شمل شمال أفريقيا، فوضعت ليبيا ومصر منطقة نفوذ إنجليزي، والباقي نفوذ فرنسي، إضافة إلى سوريا ولبنان في المشرق، وبعد تمكن الشعوب من التحرر من الاستعمار المباشر وبناء سلطات وطنية اتجهت إلى الاستقلال الحقيقي وتمحور بعضها من الاتحاد السوفييتي المعادي للغرب، وهدفت الحرب النفسية إلى تشكيك الشعوب في ماضيها وأهدافها وقيادتها وإلهائها في قضايا جانبية والترويج لصور خيالية للحياة في ظل استمرار الهيمنة، ودعمت الحرب الدعائية بضغوط اقتصادية على من أسمتهم الدول المارقة مرفقة بجهود استخباراتية لتدمير الدول من الداخل وإعداد قيادات عميلة وفرضها.
أعلم أن كل هذا معلوم اليوم، فنحن نعاني نتائجه!! ولا أطرحه هنا من باب الترف، بل لأنبه إلى أن شعوبا كثيرة تتصدى اليوم بوسائل مبتكرة للحروب النفسية ونجحت في إفشالها، روسيا أطلقت هجوما مضادا، الصين حصنت نفسها وتنطلق في المواجهة، شعوب أمريكا الجنوبية نجحت في التصدي بشكل كبير نموذج كوبا، فنزويلا الأرجنتين بوليفيا، الإيرانيون يقدمون أنفسهم كقطب رادع، الهند وباكستان تتخلص تدريجيا من هيمنة التاج الذي وضعوا كدرة فيه!
وأنبه إلى أن ما يجري في منطقتنا وبلادنا خصوصا لن يخرجنا منه إلا نحن بوحدتنا وبالاعتماد على أنفسنا.



