إلى الأمام
في الدستور والتستور!
يتبرك العامة بالصوفيين وشيوخهم، ويرون أن لديهم كرامات وقدرات لمساعدتهم، لذلك يرفعون عليهم بعض درجات القداسة، وعندما يحاول البعض نقدهم تتعالى كلمات تستور، تستور!! وعندما تسقط الدول وتعم الفوضى وينتشر الفساد يتعلق عامة الناس بفكرة الدستور، يتوهمون أنه العصا السحرية التي تعيد الأمر إلى نصابه، ويتسابق الحداق والشخصيات المهيمنة لتقديم صيغ للدستور ليتمكنوا من فرض وجودهم بقبول عام من العامة!!
إن المثال الأوضح نراه في حالة الأمة العربية ما بعد كارثة الفوضى الخلاقة التي ضربت البلدان العربية.. الغرب بماكينته الدعائية نجح في فرض صيغ دستورية مهلهلة ومتناقضة، ولم تشكل قواعد لتوافقات وطنية، بل على العكس فتحت أبواباً أمام صراعات دامية وفوضى عارمة وفساد مستشر، ومعاناة للناس للبقاء على قيد الحياة في ظل سيطرة الخوف والرعب وضبابية المستقبل! ولعل الدستور الذي فرض على العراق من قبل بول بريمر الحاكم الذي عينه جورج بوش لإدارة العراق بعد احتلالها وما أوصل إليه الشعب العراقي طيلة عقدين من الزمان من فوضى وفساد، وما نتج عنه من صراعات أدت إلى توقف مؤسسات الدولة وضرب وحدة العراق وفتح طريق واسع للتدخلات الأجنبية، لعله مثال واضح يبين أن ما يطلق عليه الدستور ما هو إلا وسيلة من وسائل الغرب لإدارة الصراع في الدول التي نجحت في السيطرة عليها!
النموذج العراقي ينسحب تماما على الحالة الليبية، فلقد خرج في ظروف غامضة إعلان دستوري مهلهل صيغ بطريقة ركيكة يتهم الصهيوني برنارد ليفي الذي كلفه الرئيس الفرنسي ساركوزي بمتابعة الملف الليبي بأنه من وضع أفكاره وصاغه وأقره مجلس تكون في ظروف غامضة من 31 شخصا بعضهم مجهول الاسم إلى اليوم، وفرض بالقوة القاهرة للتدخل الغربي، ولم يخضع لأي مناقشات شعبية ولم يستفت عليه من الشعب ولم تراجعه السلطات التشريعية التي تكونت بعد 2011 ولم تعتمده رغم إضافة أكثر من 12 تعديلا، وأضيف له اتفاق الصخيرات الذي هو قنبلة مفخخة فجرت بقايا التوافق الهش بين القوى المؤيدة للتدخل الغربي!
لا أحتاج لشرح ماذا أنجزت ليبيا بهذه الوثيقة الدستورية وتعديلاتها والوثائق الملحقة لها!! فليس الخبر كالعيان، إذ يعاني الناس النتائج المدمرة للصراع على السلطة بين الأطراف التي صاغت تلك الوثائق الدستورية لمصلحتها!
الأوضاع تتدهور باطراد والحياة تزداد صعوبة، وشبح الحرب يخيم في كل لحظة، ناهيك عن انتهاك سيادة الوطن ونهب ثروات الشعب وتبذير مدخراته!
مناسبة هذا الحديث، فتح ما سمي الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا!! ويكفي التساؤل ما جدوى دائرة في محكمة تفتح وتقفل بمزاج هذا الطرف أو ذاك، أو استجابة لأمر هذا السفير أو ذاك، أو رضاً لهذه الدولة النافذة في ليبيا أو تلك؟
هل المسألة في ليبيا ناتجة عن خلافات دستورية، أو حتى سياسية؟ حتى نتوهم أن نجد الحل عند قاض يرجعنا إلى نص دستوري أصلا الناس مختلفة عليه ومتناقضة في فهمه!
أليست ليبيا خاضعة اليوم لوصاية أجنبية، شقها الرسمي وقوعها تحت سيطرة مجلس الأمن الذي شرعن كل السلطات التي تكونت بعد 2011 باستثناء حكومة الثني وحكومة باشاغا اللتين لم تتمكنا من العمل!! ووقوعها عمليا تحت نفوذ سفراء أمريكا وبريطانيا وبعض حليفاتها بدرجات أقل!
الدساتير الفعالة والمفيدة توضع في أزمنة السلم وفي أوقات الاستقرار، لحمايته وضمان استمراره، الدساتير ليست حلولا لمشاكل واقعة وقت إعدادها وليست مخارج من الأزمات وليست وسائل لإنهاء الصراعات ولا يمكن مجرد التفكير في كونها فعّالة في إنهاء التدخلات الأجنبية أو الحروب الأهلية.
ما تحتاجه ليبيا ليس بركات الصوفيين ولا ادعاءات الدستوريين، ولا أحكام قضاة نزيهين، ما تحتاجه كفاح وطني شامل يشترك فيه الجميع وفي مقدمتهم رجال القضاء وقوة الجيش والأمن والأكاديميون والنقابيون والمثقفون، من أجل تحرير القرار الوطني وفرض سيادة الشعب.




